أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
95
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والوقاية : فرط الصيانة وشدة الاحتراس من المكروه ومنه : فرس واق إذا كان يقي حافره أدنى شيء يصيبه . وقيل : هي في أصل اللغة قلة الكلام ، وفي الحديث : « التقى ملجم » « 1 » ومن الصيانة قوله : 110 - سقطّ النّصيف ولم ترد إسقاطه * فتناولته واتّقتنا باليد « 2 » وقال آخر : 111 - فألقت قناعا دونه الشّمس واتّقت * بأحسن موصولين كفّ ومعصم « 3 » [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ : الذين : يحتمل الرفع والنصب والجر ، والظاهر الجر وهو من ثلاثة أوجه ؛ أظهرها : أنه نعت للمتقين . والثاني : بدل ، والثالث : عطف بيان . وأما الرفع فمن وجهين ؛ أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف على معنى القطع ، وقد تقدم . والثاني : أنه مبتدأ وفي خبره قولان : أحدهما : أولئك الأولى . والثاني : أولئك الثانية والواو زائدة . وهذان القولان رديئان منكران لأن قوله : و الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ يمنع كون أُولئِكَ الأولى خبرا ووجود الواو يمنع كون أُولئِكَ الثانية خبرا أيضا ، وقولهم الواو زائدة لا يلتفت إليه والنصب على القطع . و يُؤْمِنُونَ صلة وعائد وهو مضارع علامة رفعه النون ، لأنه أحد الأمثلة الخمسة . والأمثلة الخمسة عبارة عن كل فعل مضارع اتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة نحو : يؤمنان تؤمنان يؤمنون تؤمنون تؤمنين . والمضارع معرب أبدا إلا أن يباشر نون توكيد أو إناث على تفصيل يأتي إن شاء اللّه تعالى في غضون هذا الكتاب . وهو مضارع آمن بمعنى صدق وآمن مأخوذ من أمن الثلاثي فالهمزة في « آمن » للصيرورة نحو : أعشب المكان أي : صار ذا عشب أو لمطاوعة فعل نحو : كب فأكب وإنما تعدى بالباء لأنه ضمن معنى اعترف ، وقد يتعدى باللام كقوله تعالى : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا « 4 » ، فَما آمَنَ لِمُوسى « 5 » إلا أن في ضمن التعدية باللام التعدية بالباء ، فهذا فرق ما بين التعديتين . وأصل يُؤْمِنُونَ : يؤأمنون بهمزتين الأولى : همزة أفعل ، والثانية : فاء الكلمة ، حذفت الأولى لقاعدة تصريفية ؛ وهو أن همزة أفعل تحذف بعد حرف المضارعة ، واسم فاعله ومفعوله نحو : أكرم وتكرم ويكرم ونكرم ،
--> ( 1 ) انظر مجمع الأمثال للميداني ( 1 / 139 ) . ( 2 ) البيت للنابغة . انظر ديوانه ( 107 ) ، واللسان ( نصف ) ، والمفردات للراغب ( 755 ) . والنّصيف : الخمار ، أو هو ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها ، سمّي نصيفا لأنه نصف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها ، قال : والدليل على صحة ما قاله قول النابغة : سقط النصيف ، لأن النصيف إذا جعل خمارا فسقط فليس لسترها وجهها مع كشفها شعرها معنى . اللسان ( نصف ) . ( 3 ) البيت لأبي حية النميري . انظر الحماسة ( 2 / 116 ) . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 17 ) . ( 5 ) سورة يونس ، آية ( 83 ) .